{ لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي : أنني تركتُ كثيراً من أعمال الخير ، فلعلِّي إنْ رجعتُ بعد أنْ عاينتُ الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات ، أو لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركتُ ، لأنني ضننْتُ بمالي وبمجهودي وفَضْلي على الناس ، وكنْزتُ المال الكثير ، وتركتُه خلفي ثم أُحاسب أنا عليه ، فإنْ عُدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة .
ثم تأتي الإجابة : { كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا . . } [ المؤمنون : 100 ] أي : قوله : ارجعون لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركت ، إنها مجرد كلمة لا واقع لها ، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة ، فالله تعالى لن يرجعهم ، ولو أرجعهم ما فعلوا ؛ لذلك نفاها بقوله ( كلا ) التي ترد على قضايا تريد إثباتها ، ويريد الله تعالى نفيها كما ورد في سورة الفجر :
{ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ } [ الفجر : 15 - 16 ] .
فيرد الحق سبحانه : ( كلا ) لا أنت صادق ولا هو ، فليس المال والغِنَى وكثرة العَرض دليل إهانة ، ولا الفقر دليل إهانة ، فكلتا القضيتين خطأ ، بدليل أنك إذا أعطاك الله المال ، ثم لا تؤدي فيه حَقَّ الله وحَقَّ العباد ، ولا يعينك على أداء ما فُرِض عليك صار المال وبالاً عليك وإهانة لا كرامة . ما جدوى المال إنْ دخلتَ في قوله تعالى : { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم } [ الفجر : 17 ] ؟ ساعتها سيكون مالك حُجَّة عليك .
تفسير الشعراوي — صفحة 10150
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٥٠