مادة : كبر تأتي بكسر الباء للدلالة على العمر تقول : كَبِر فلان . يعني : كان صغيراً ثم كبر ، وبضم الباء للشيء المعنوي وللقيم ، كما في قوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ . . } [ الكهف : 5 ] يعني : عظمت .
ومعنى الاستكبار افتعال الكِبر وطلبه ، مثل : استفهم يعني : طلب الفَهْم ، في حين هو ليس كبيراً في ذاته ، فهو محتاج إلى غيره . فالكبير في ذاته مَنْ تكون عنده وتتوفر له في ذاته مُقوِّمات الحياة وضرورياتها وترفها ، لا يستمدها من أحد .
لكن الإنسان ضروريات حياته ، وأسباب ترفه موهوبة له من غيره ، فلا يصح له أنْ يتكبّر ، فمَنْ أراد أن يتكبّر فليتكبّر بشيء ذاتي فيه من صحة أو مال أو سلطان . . . الخ ، وهذه كلها أمور موهوبة لك ، فالصحيح قد يصبح سقيماً ، والغني قد يصبح فقيراً .
لذلك ، فالكبرياء لله تعالى وحده ؛ لأنه الواهب للغير ، والمتفضِّل على الخَلْق بما يمكن أنْ يتكبروا به ، ومن صفات جلاله وكماله سبحانه ( المتكبر ) ؛ لأنه سبحانه رب الخَلْق أجمعين ، ومن مصلحة الخلق أن يكون المتكبر هو الله وحده ، حتى لا يرفع أحد رأسه على خَلْقه ويتكّبر عليهم .
وهكذا يحمي الحق سبحانه خَلْقه من خَلْقه ، فإنْ تكبّر عليك ربك ، وأجري عليك قدراً ؛ لأنك فعلت شيئاً وأنت واحد ، فاعلم أنه يتكبر على الآخرين جميعاً وهم كثيرون ، إنْ فعلوا بك هذا الشيء ، إذن : فصفة الكبرياء لله عَزَّ وَجَلَّ في صالحك .
ومثَّلْنا لذلك ، ولله المثل الأعلى : من مصلحة الأسرة ألاّ يكون لها إلا كبير واحد يُرجَع إليه ، ومن أقوال العامة ( اللي ملوش كبير يشتري له كبير ) لأنه الميزان الذي تستقيم به الأمور ويُسيِّر دفّة الحياة .
تفسير الشعراوي — صفحة 10082
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٨٢