ومن عجائب قدرة الله أنه سبحانه يحكم على عبده الكافر أنه سيعمل كذا وكذا ، ومع ذلك لم يعاند أحد الكفار ، فيقول : إن الله حكم عليَّ بكذا ، ولكني لن أفعل فيكون حكم الله عليه غير صحيح ؛ لأن الحق سبحانه لا يتحكم فيما يجريه علينا فحسب ، وإنما في اختيار العبد ومراده ، مع أن العبد حُرٌّ في أن يفعل أو لا يفعل .
وهذه القضية واضحة في قوله تعالى عن أبي لهب : { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سيصلى نَاراً . . } [ المسد : 1 - 3 ] تفيد المستقبل ، فقد حكم الحق سبحانه عليه أنه سيكون في النار ، وكان أبو لهب في أمة ومَجْمع من القوم الكافرين ، ومنهم مَنْ آمن فمن يضمن أن يسمع أبو لهب هذا الحكم ومع ذلك لا يؤمن ويموت كافراً ؟
ثم ألم يَكُنْ بإمكان هذا ( المغفل ) أن يقف على ملأ ويقول : « لا إله إلا الله محمد رسول الله » ويدخل في الإسلام ، فيكون الحكم فيه غير صحيح ؟ لكن هذا كلام الله وحكمه القديم لا يُردّ ولا يخالفه أحد مهما كان أمره في يده وهو قادر على الاختيار ، هذا من طلاقة قدرة الله في فِعْله وعلى خَلْقه في أفعالهم .
فالمعنى : { هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } [ المؤمنون : 63 ] حكم لا يُرد ولا يُكذَّب ، حتى وإنْ أخبر به صاحبه ؛ لأن علم الله تعالى مستوعبٌ لما كان ولما سيكون ، وكأن الحق سبحانه يقول : إن طلاقة القدرة ليست فيما أفعله فحسب ، إنما يفعله غيري مِمَّنْ أعطيتُه حرية الاختيار .
تفسير الشعراوي — صفحة 10076
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٧٦