ومن حكمة الله أن الطعام الفائض يُختزن في صورة واحدة هي الشحم ، الذي يتحول تلقائياً إلى أيِّ عنصر آخر يحتاجه الجسم ، فإذا انتهى الشحم تغذّى الجسم على اللحم والعضلات ، ثم على العظام ، وهي آخر مخزن للقوت في جسم الإنسان ؛ لذلك جاء في قصة زكريا عليه السلام : { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي واشتعل الرأس شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً } [ مريم : 4 ] .
أما الهواء فليس له مخزن إلا بقدْر ما تتسع له الرئة ، فإذا نفد منها الهواء بشهيق وزفير فلا حيلة فيه ، ومن رحمة الله بعباده ألاّ يُملِّك الهواء لأحد ، فقد يملك الطعام وربما يملك الماء ، أمّا الهواء الذي يحتاجه في كل نفَس ، فقد جعله الله مِلْكاً للجميع ، حتى لا يمنعه أحد عن أحد ؛ لأنك لا تستطيع أن تحتال له كما تحتال للطعام وللشراب ، ولو غضب عليك مالك الهواء لمتّ قبل أنْ يرضى عنك .
ونلحظ هنا أن الغمرة لا تحتويهم هم ، إنما تحتوي القلوب : { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ . . } [ المؤمنون : 63 ] وهذه بلوى أعظم ؛ لأن القلب محلٌّ لحصيلة المدركات التي يأخذها العقل ، ويُميِّز بينها ويختار منها ويُرجّح ، ثم تتحول هذه المدركات إلى عقائد تستقر في القلب وعلى هَدْيها تسير في حركة الحياة .
لذلك إنْ كان القلب نفسه في الغمرة فالمصيبة أشدّ والبلاء أعظم ؛ لأنه مُسْتودع العقائد والمبادئ التي تُنير لك الطريق .
والقلب هو محلُّ نظر الله إلى عباده ، لذلك يقول سبحانه : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا . . } [ الأعراف : 179 ] .
وقال سبحانه : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ . . } [ البقرة : 7 ] لأنهم أحبوا
تفسير الشعراوي — صفحة 10073
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٧٣