{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات . . } [ المؤمنون : 55 - 56 ] أيظنون أن هذا خير لهم ؟ لا ، بل هو إمهال واستدراج ليزدادوا طغياناً .
وفي موضع آخر يقول سبحانه : { وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا } [ التوبة : 85 ] .
وقوله تعالى : { بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } [ المؤمنون : 56 ] ( بل ) : تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات ما بعدها ، إضراب عن مسألة تنعُّم هؤلاء ؛ لأنها نعمة موقوته وزائلة ، وهي في الحقيقة عليهم نقمة ، لأنهم لا يشعرون ، لا يشعرون أن هذه النعمة لا تعني محبتهم ورضانا عنهم ، ولا يشعرون بالمكيدة وبالفخ الذي يُدبَّر لهم .
وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى حين يريد الانتقام من عدوه يُمدّه أولاً ، ويُوسِّع عليه ويُعلي مكانته ، حتى إذا أخذه كان أَخْذه مؤلماً وشديداً .
وقوله تعالى : { نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات . . } [ المؤمنون : 56 ] المسارعة ترد في كتاب الله على مَعَانٍ : مرة يتعدَّى الفعل بإلى ، مثل : { وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ . . } [ آل عمران : 133 ] ومرة يتعدى بفي ، مثل : { يُسَارِعُونَ فِي الخيرات . . } [ المؤمنون : 61 ] فما الفرق بين المعنيين ؟
سارع إلى كذا : إذا كنتَ خارجاً عنه ، وتريد أن تخطو إليه خُطّىً عاجلة ، لكن إنْ كنتَ في الخير أصلاً وتريد أنْ ترتقي فيه تقول : سارع في الخيرات . فالأولى يخاطب بها مَنْ لم يدخل في حيِّز الخير ، والأخرى لمنْ كان مظروفاً في الخير ، ويريد الارتقاء .
تفسير الشعراوي — صفحة 10062
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٦٢