يقول تعالى : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ . . } [ الشورى : 13 ]
إذن : فالأمة واحدة يعني في عقائدها وإن اختلفتْ في الشريعة والمنهج ، والأحكام الجزئية التي تتعرض لأقضية الحياة . ومن ذلك قوله تعالى : { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ . . } [ آل عمران : 50 ] .
وكانوا في الأمم السابقة إذا وقعت نجاسة على ثوب يقطعون الموضع الذي وقعت عليه ، فلما جاء الإسلام خفَّف عن الناس هذا العَنت ، وشرع لهم أنْ يغسلوه فيطهر .
وما دام أن أمتكم أمة واحدة { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون } [ المؤمنون : 52 ] يعني : اتقوا الله في هذه الأمة الواحدة وأبقوا على وحدتها ، واحذروا ما يُفرِّقها من خلافات حول فروع إن اختلف البعض عليها اتهموا الآخرين بالكفر ؛ لأنهم يريدون أنْ يَنْهبوا من الدين الجامع سلطة زمنية لأنفسهم .
والحق - تبارك وتعالى - يقول : { إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ . . } [ الأنعام : 159 ] .
فالأمور التي أحكمها الله باللفظ الصريح المُحْكَم أصول لا خلافَ عليها ولا اجتهادَ فيها ، وأما الأمور التي تركها سبحانه للاجتهاد فيجب أن نحترم فيها اجتهاد الآخرين ، وإلا لو أراد الحق سبحانه لجعل الأمر كله مُحْكماً لا مجالَ فيه لرأي أو اجتهاد .
ومعنى { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ . . } [ المؤمنون : 52 ] أن من عطاء ربوبيتي أنْ جعلْتُ لكم أموراً محكمة وعقائد ثابتة ؛ لأن الاختلاف فيها يفسد
تفسير الشعراوي — صفحة 10057
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٥٧