تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10042

مساهمون:

ص١٠٠٤٢
تصيبهم غفلة وفتور عن منهج الله ، فينصرفون عنه ويختلفون ويتفرقون ، فيكون ذلك إيذاناً بزوالها ثم يخلفها غيرها ؟ كذلك في مسألة الحضارات التي تندثر ليحلَّ محلَّها حضارات أخرى أقوى ، نسمع عن حضارة قديمة في مصر وفي الصين وفي اليمن ، نسمع عن الحضارة الرومانية والفينيقية . . الخ حضارات تتوالى وتأخذ حظها من الرُّقيِّ والرفاهية ، وتُورِث أصحابها رخاوة وطراوة ، وتبدلهم بالجَلَد والقوة لِيناً وضَعْفاً ، فيغفلوا عن أسباب رُقيِّهم وتقدُّمهم ، فتنهدم حضارتهم ويحلُّ محلَّها أقوى منها وأصلب . وهذا مثال ونموذج في حضارة بلغت أوج عظمتها : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } [ الفجر : 6 - 10 ] . وإلى الآن ، ونحن نرى آثار الحضارة الفرعونية ، وكيف أنها تجذب انتباه أصحاب الحضارات الحديثة وتنال إعجابهم ، فيأتون إليها من كل أنحاء العالم ، مع أن حضارة عاد كانت أعظم منها ؛ لأن الله تعالى قال في حقها : { التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } [ الفجر : 8 ] . ومع ذلك لا نرى لهم أثراً يدل على عِظَم حضارتهم ، ولم يكُنْ لهذه الحضارة مناعة لتحمي نفسها ، أو تحتفظ لها بشيء ، فانهارت وبادتْ ولم يَبْقَ منها حتى أثر . كذلك أتباع الرسل يمرُّون بمثل هذه الدورة ، فبعد قوة الإيمان تصيبهم الغفلة ويتسرب إليهم الضعف وسوء الحال ، إلى أن يرسل الحق سبحانه رسولاً جديداً . { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } [ المؤمنون : 43 ] . المعنى في الجملة الأولى واضح ، فأيُّ أمة لا يمكن أنْ تسبق