فلا بُدَّ أن يقع بهم هذا الوعيد في الوقت ذاته ، وإلاَّ لو مَرَّ دون أن يصيبهم ما يندمون لأجله لانهدم المبدأ من أساسه ، ما دام أن الله تعالى قالها وسجَّلها على نفسه سبحانه في قرآن يحفظه هو .
{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [ المؤمنون : 40 ] فلا بُدَّ أن ينزل بهم العذاب في الصباح .
لذلك { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق . . } [ المؤمنون : 41 ] لا بالظلم والعدوان ، وفي موضع آخر قال سبحانه عنهم : { وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } [ الحاقة : 6 ] والمعنيان يلتقيان ، لأن الريح الصرصر لها صوت مزمجر كأنه الصيحة والصراخ .
{ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً . . } [ المؤمنون : 41 ] الغثاء : ما يحمله السيل من قش وأوراق وبقايا النبات ، فتكون طبقة طافية على وجه الماء تذهب بها الريح في إحدى الجوانب ، والغثاء هو الزَّبَد الذي قال الحق سبحانه وتعالى عنه : { فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض . . } [ الرعد : 17 ] .
وفي الحديث الشريف قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأصحابه : « يوشك أن تتداعَى عليكم الأمم كما تتداعَى الأكلة إلى قصعتها - يعني : يدعو بعضهم بعضاً لمحاربتكم كأنكم غنيمة يريدون اقتسامها - فقالوا : أمِنْ قِلَّة نحن يا رسول الله ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل » يعني : شيئاً هيِّناً لا قيمةَ له يذهب سريعاً .
وقوله تعالى : { فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين } [ المؤمنون : 41 ] أي : بُعداً لهم عن رحمتنا ونعيمنا الذي كُنَّا نُمنِّيهم به ونَعِدهم به لو آمنوا ،
تفسير الشعراوي — صفحة 10039
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٣٩