تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10026

مساهمون:

ص١٠٠٢٦
وآفة المسلمين في التعصُّب الأعمى الذي يُنزِل الأمور الاجتهادية التي ترك الله لعباده فيه حريةً واختياراً منزلةَ الأصول والعقائد التي لا اجتهادَ فيها ، فيتسرَّعون في الحكم على الناس واتهامهم بالكفر لمجرد الاختلاف في وجهات النظر الاجتهادية . نقول : من رحمة الله بنا أنْ جعل الأصول واحدة لا خلافَ عليها ، أما الفروع والأمور الاجتهادية التي تتأتّى بالفهم من المجتهد فقد تركها الله لأصحاب الفهم ، { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . } [ النساء : 83 ] . وإلا لو أراد الحق سبحانه لَمَا جعل لنا اجتهاداً في شيء ، ولجاءتْ كل مسائل الدين قهرية ، لا رَأْيَ فيها لأحد ولا اجتهاد ، أمّا الحق - سبحانه وتعالى - فقد شاءت حكمته أن يجمعنا جَمْعاً قهرياً على الأمور التي إنْ لم نجمع عليها تفسد ، أما الأمور التي تصلح على أي وجه فتركها لاجتهاد خَلْقه . فعلينا - إذن - أنْ نحترم رأي الآخرين ، وألاَّ نتجرأ عليهم بل لنحترم ما اختاره الله لنا من حرية الفكر والاجتهاد . وأُسْوتنا في هذه المسألة سيرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وسلف هذه الأمة في غزوة الأحزاب ، فلما هَبَّتْ الريح على معسكر الكفار فاقتلعت خيامهم وشتتت شملهم وفَرُّوا من الميدان انصرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة ، لكن سرعان ما أمره ربه بالتوجه إلى بني قريظة لتأديبهم ، وأخبره - سبحانه وتعالى - أن الملائكة ما زالت على حال استعدادها ، ولم يضعوا عنهم أداة الحرب ، فجمع رسول الله الصحابة