معدوماً مع أنك تُوجده من موجود الله ، كأنْ تصنع من الرمل والنار كوباً من الزجاج مثلاً ، لكن ما توجده يظل جامداً على حالته لا ينمو ولا يتناسل ، وليست فيه حياة ، ومع ذلك سماك ربك خالقاً ، وكذلك قال : { وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } [ الأنبياء : 89 ] وقال : { خَيْرُ الماكرين } [ آل عمران : 54 ] .
وكما أن الله عَزَّ وَجَلَّ لم يضنّ عليك بهذه الصفات ، فلا تضنّ عليه سبحانه بأنه خير المنزلين ، وخير الوارثين ، وخير الماكرين ، وأحسن الخالقين .
ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } .
{ فِي ذلك . . } [ المؤمنون : 30 ] يعني : فيما تقدم { لآيَاتٍ . . } [ المؤمنون : 30 ] عبر وعظات وعجائب ، لو فكّر فيها المرء بعقل محايد لانتهى إلى الخير { وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } [ المؤمنون : 30 ] فلا تظن أن الابتلاء مقصور على الظلمة والكافرين الذين أخذهم الله وأهلكهم ، فقد يقع الابتلاء بمَنْ لا يستحق الابتلاء ، وحين يبتلي اللهُ أهلَ الخير والصلاح فما ذلك إلا ليزداد أجرهم وتُرفع مكانتهم ويُمَحّص إيمانهم .
ومن ذلك الابتلاءات التي وقعت بالمسلمين الأوائل ، فإنها لم تكُنْ كراهية لهم أو انتقاماً منهم ، إنما كانت تصفية لمعدنهم وإظهاراً لإيمانهم الراسخ الذي لا يتزعزع ؛ لأنهم سيحملون دعوة الله إلى أنْ تقوم الساعة ، فلا بُدَّ من تمحيصهم وتصفيتهم .
كما قال سبحانه : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 2 ] لا ، لابُدَّ من الابتلاء الذي يُميِّز الصادقين ممَّنْ
تفسير الشعراوي — صفحة 10022
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٢٢