والإنسان إنْ كان حسيساً لا يقف عند إنكار الجميل ، إنما يتعدّى ذلك فيكره مَنْ أحسن إليه ويحقد عليه ، ذلك لأن الإنسان مجبول على حب النفس والتعالي والغطرسة ، فإذا ما رأى مَنْ أحسن إليه كرهه ؛ لأنه يدكُّ فيه كبرياء نفسه ، ويَحدُّ من تعاليه .
ومن هنا قالوا : « اتق شرَّ من أحسنت إليه » لماذا ؟ لأنه يخزَى ساعة يراك ، وهو يريد أنْ يتعالى ، ووجودك يكسر عنده هذا التعالي .
إذن : وطِّنْ نفسك على أن الجميل قد يُنكَر حتى لو كان فاعله رب العزة سبحانه ، فلا يحزنك أنْ يُنكَر جميلك أنت .
وعن ذلك قال الشاعر :
يَسِير ذَوُو الحاجَاتِ خلفَكَ خُضَّعاً . . . فَإنْ أدركُوهَا خلَّفوكَ وهَرْوَلُوا
وأفضلُهم مَنْ إنْ ذُكِرْت بسيءٍ . . . توقَّفَ لا ينفي وقد يتقوّل
فَلا تَدعِ المعْروفَ مهما تنكَّروا . . . فَإنَّ ثوابَ اللهِ أرْبَى وأجزَلُ
فالمعنى : إذا استويتَ أنت ومَنْ معك ، واستتبَّ لك الأمر على الفُلْك ، فإياك أنْ تغتَرّ أو تنأى بجانبك فتنسى حَمْد الله على هذه النعمة ؛ لذلك أمرنا حين نركب أي مركب أن نقول : « بسم الله مجريها ومرساها » لأنك ما أجريتها بمهارتك وقوتك ، إنما باسم الله الذي ألهم ، وباسم الله الذي أعان ، وباسم الله الذي تابعني ، ورعاني بعينه ، وما دُمْتَ تذكر المنعم عند النعمة وتعترف لصاحب الفضل بفضله يحفظها لك .
أما أنْ تنكرها على صاحبها ، وتنسبها لنفسك ، كالذي قال : { إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِي . . } [ القصص : 78 ] فيقول : ما دام الأمر كذلك ، فحافظ أنت عليه .
تفسير الشعراوي — صفحة 10019
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠١٩