وهنا لم يتعرض السياق للفترة التي صنع فيها نوح السفينة ، والتي جاءت في قوله تعالى : { وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } [ هود : 38 ] ذلك لأنهم لا يعلمون شيئاً عن سبب صناعتها .
وفي موضع آخر يُعْلِمنا - سبحانه وتعالى - عن كيفية صُنْعها فيقول : { وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } [ القمر : 13 ] وقلنا : إن الدُّسُر : الحبال التي تُضَمُّ بها ألواح الخشب بعضها إلى بعض شريطة أن تكون جافة ، وتُضَم إلى بعضها بحكمة حتى إذا ما نزل الماء وتشرَّبت منه يزيد حجمها فتسدُّ المسام بين الألواح ، كما نراهم مثلاً يصنعون براميل الزيت من شرائح الخشب .
وقد صنع أحدهم سفينة من البَرْدى بهذه الطريقة ، وسافر بها إلى أمريكا واستخدم فيها الحبال بدلاً من المسامير .
ثم يقول سبحانه : { فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا . . } [ المؤمنون : 27 ] يعني : بإنجاء المؤمنين بك ، وإهلاك المكذبين { وَفَارَ التنور . . } [ المؤمنون : 27 ] والتنور : هو الفرن الذي يخبزون فيه الخبز ، ويقال : إنه كان موروثاً لنوح من أيام آدم ، يفور بالماء يعني : يخرج منه الماء ، وهو في الأصل محلٌّ للنار ، فيخرج منه الماء وكأنه يغلي . لكن هل كل الماء سيخرج من التنور ؟ الماء سيخرج من كل أنحاء الأرض وسينزل من السماء ، وفوران التنور هو إيذان بمباشرة هذه العملية وبداية لها .
إذا حدث هذا { فاسلك فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين . . } [ المؤمنون : 27 ] يعني : احمل وأدخل فيها زوجين ذكراً وأنثى من كل نوع من المخلوقات ، كما في قوله تعالى : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } [ المدثر : 42 ] يعني : أدخلكم ، وقال سبحانه : { اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ . . } [ القصص : 32 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 10014
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠١٤