فذكر العقل في الأولى ؛ لأن الإنسان يأتمر فيه بنفسه ، وذكر في الأخرى العلم ؛ لأن الإنسان في العلم يأتمر بعقله ، وعقل العلم أيضاً ، فالعلم - إذن - أوسع من العقل ؛ لذلك ذكره مع قولهم { حَسْبُنَا . . } [ المائدة : 104 ] الدالة على المبالغة والإصرار على الكفر .
كما نلحظ عليهم في قولهم : { مَّا سَمِعْنَا بهذا . . } [ المؤمنون : 24 ] أن الغفلة قد استحكمت فيهم ؛ لأن نوحاً عليه السلام يعتبر الجد الخامس بعد آدم عليه السلام ، فبينهما فترة طويلة ، فكيف ما سمعوا طوال هذه الفترة برسول أو نبي ، يقول : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ؟
{ إِنْ هُوَ . . } [ المؤمنون : 25 ] يعني : ما هو و { جِنَّةٌ } : يعني جنون ، وهو ستر العقل الذي ستر العقل الذي يسيطر على حركة الإنسان في الحياة فيسير حسب تقنيناتها ( افعل كذا ) و ( لا تفعل كذا ) ، أما المجنون فيعمل ما يخطر له دون أنْ يعرض الأعمال على العقل أو التفكير ؛ لذلك من عدالة الله في خَلْقه أننا لا نؤاخذ المجنون على تصرُّفاته حين يعتدى على أحد منا بالسبِّ أو الضرب مثلاً ، ولا نملك إلا أن نبتسم له ، وندعو الله أن يعافينا مما ابتلاه به .
فإنْ كان هذا الحال المجنون في حركة حياته ، فهل يكون ذو الخلق الذي يسير وَفْق قوانين الحياة ومحكوماً بنظم وقيم خلقية ، هل يكون مجنوناً ؟ ومن العجيب أن تهمة الجنون هذه سائرة على لسان
تفسير الشعراوي — صفحة 10011
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠١١