لكن ، ما العبرة في خَلْق هذه الأنعام ؟ الحق - سبحانه وتعالى - تكلَّم عن خَلْق الإنسان ، وأنه تعالى خلقه من صفوة وخلاصة وسلالة من الطين ومن النطفة ، وهكذا في جميع أطوار خَلْقه . وفي الأنعام ترى شيئاً من هذا الاصطفاء والاختيار ، فالأنعام تأكل من هنا وهناك وتجمع شتى الأنواع من المأكولات ، ومن هذا الخليط يخرج الفَرْث ، وهو مُنتِن لا تطيق رائحته ويتكون دم الحيوان ، ومن بين الفَرْث والدم يُصفِّي لك الخالق - عَزَّ وَجَلَّ - لبناً خالصاً ، وهذه سلالة أيضاً وتصفية .
قال تعالى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ } [ النحل : 66 ] .
ونلحظ أن الآية التي معنا تقول : { نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا } [ المؤمنون : 21 ] وفي آية النحل : { نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } [ النحل : 66 ] ذلك لأننا نأخذ اللبن من إناث الأنعام ليس من كل الأنعام ، فالمعنى { مِّمَّا فِي بُطُونِهَا } [ المؤمنون : 21 ] أي : الإناث منها و { مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } [ النحل : 66 ] أي : بطون البعض ؛ ولذا عاد الضمير مذكراً . { نُّسْقِيكُمْ } [ المؤمنون : 21 ] من سقى ، وفي موضع آخر { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } [ الحجر : 22 ] من الفعل أسقى . البعض يقول إنهما مترادفان ، وهما ليسا كذلك لأن لكل منهما معنى ، فسقى يعني : أعطاه الشراب ، أمَّا أسقى فيعني جهز له ما يشربه لحين يحب أن يشرب .
تفسير الشعراوي — صفحة 9993
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٩٣