{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله . . } .
بعد أنْ حدَّثنا القرآن الكريم عن خَلْق الإنسان وخَلْق الحيوان ، وحدثنا عن بعض نعمه التي امتنّ بها علينا تدرج بنا إلى صناعة الفُلْك ؛ لأنه قد يسأل سائل : وكيف تكون هذه الفُلْك أي : تخلق كالإنسان والحيوان بالتوالد ، أم تنبت كالزرع ؟ فأوضح الخالق سبحانه لأنه وُجدت بالوحي في قوله تعالى : { فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } [ المؤمنون : 27 ] .
ومعنى { بِأَعْيُنِنَا } [ المؤمنون : 27 ] أنها صنعة دقيقة ، لم يترك فيها الحق سبحانه نبيَّه يفعل ما يشاء ، إنما تابعه ولاحظه ووجَّهه إلى كيفية صناعتها والمواد المستخدمة فيها ، كما قال سبحانه : { وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } [ القمر : 13 ] وهي الحبال ، كانوا يربطون بها ألواح الخشب ، ويضمون بعضها إلى بعض ، أو المسامير تُشَدُّ بها الألواح بعضها إلى بعض .
لكن ، مهما أُحكِمَتْ ألواح الخشب بعضها إلى بعض ، فلا بُدَّ أنْ يظل بينها مسامّ يتسرب منها الماء ، فكيف نتفادى ذلك في صناعة الفُلْك خاصة في مراحلها البدائية ؟ يقولون : لا بُدَّ لصانع الفُلْك أنْ يجفف الخشب جيداً قبل تصنيعه فإذا ما نزل الخشبُ الماءَ يتشرب منه ، فيزيد حجمه فيسدّ هذه المسام تماماً ، ولا يتسرب منها الماء .
ومن عجائب القرآن ومعجزاته في مسألة الفُلْك قوله تعالى : { وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام } [ الرحمن : 24 ] يعني : كالجبال العالية . وهذه الفُلْك لم تكُنْ موجودة وقت نزول القرآن إنما
تفسير الشعراوي — صفحة 9996
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٩٦