تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9950

مساهمون:

ص٩٩٥٠
وجاءءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل أنواع الجهاد ، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يَعُدْ هناك كفار ، أو خَلَّوْا طريق دعوتنا وتركونا ، وأحبوا أنْ يعيشوا في بلادنا أهل ذمة ، فلا داعي - إذن - للقتال ، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر هو جهاد النفس . لذلك قال تعالى بعدها : { هُوَ اجتباكم . . } [ الحج : 78 ] يعني : اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أُخرجت للناس ، وثمن هذا الاجتباء أن نكون أهلاً له ، وعلى مستوى مسئوليته ، وأنْ نحقق ما أراده الله منّا . كما ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها ، نقول لهم : لقد اختاركم الله ، فكونوا أَهْلاً لهذا الاختيار ، واجعلوا كلامه تعالى في محلّه . ثم يقول سبحانه : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ . . } [ الحج : 78 ] يعني : ما اجتباكم ليُعنتكم ، أو ليُضيِّق عليكم ، أو ليُعسِّر عليكم الأمور ، إنما جعَل الأمر كله يُسْر ، وشرعه على قَدْر الاستطاعة ، ورخَّص لكم ما يُخفِّف عنكم ، ويُذهِب عنكم الحرج والضيق ، فمَنْ لم يستطع القيام صلى قاعداً ، ومَنْ كان مريضاً أفطر ، والفقير لا زكاة عليه ولا حج . . الخ . كما قال سبحانه في موضع آخر : { وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ . . } [ البقرة : 220 ] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضَيَّق عليكم ، وما كلَّفكم إلا ما تستطيعون القيام به . وقوله تعالى : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [ الحج : 78 ] كلمة ( ملة ) جاءت هكذا بالنصب ، لأنها مفعول به لفعل تقديره : ( الزموا ) مِلة أبيكم إبراهيم ؛ لأنكم دعوته حين قال : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ . . } [ البقرة : 128 ]