{ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [ الحج : 76 ] ما أمامهم ، ويعلم أيضاً ما خلفهم ، فليعمل الإنسان ما يشاء ، فعِلْم الله محيط به .
{ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } [ الحج : 76 ] فالمرجع في النهاية إليه سبحانه ، فالحق - تبارك وتعالى - لم يخلق خَلْقه ليتركهم هَمَلاً ، إنما خلقهم لحكمة ، وجعل لهم نهاية يُجازَي فيها كُلٌّ بعمله ، فمَن تعب ونصب في سبيل دعوة الله وتحمّل المشاقّ في مساندة رسل الله فله جزاؤه ، ومَنْ جابههم وعاندهم سواء بالأقوال السَّابّة الشاتمة المستهزئة ، أو بالأفعال التي تعوق دعوتهم ، فله أيضاً ما يستحق من العقاب .
وبعد أن حدَّثنا ربنا عَزَّ وَجَلَّ عن الإلهيات وعن الرسل التي تُبلِّغ عنه سبحانه ، يُحدثنا عن المنهج الذي سيأتون به لينظم حركة حياتنا ، هذا المنهج موجز في افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، وهو لا يشمل في أوامره ونواهيه كل حركات الحياة . فالأوامر والنواهي محصورة في عِدَّة أمور ، والباقي مباح ؛ لأن الله تعالى وضع الأوامر والنواهي في الأصول التي تعصم حركة الحياة من الأهواء والنزوات ، وترك الباقي لاختيارك تفعله على أيِّ وجه تريد .
لذلك نرى العلماء يجتهدون ويختلفون في مثل هذه الأمور التي تركها الله لنا ، ولو أراد سبحانه لأنزل فيها حكماً محكماً ، لا يختلف عليه أحد . ولك أن تقول : ولماذا ترك الحق سبحانه هذه الأمور تتضارب فيها الأقوال ، وتختلف فيها الآراء ، وتحدث فيها نزاعات بين الناس ؟
قالوا : هذا مراد الله ؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان مُسخَّراً في أشياء ، ومختاراً في أشياء أخرى ، فللناس أن يتركوا المجتهد يجتهد
تفسير الشعراوي — صفحة 9941
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٤١