تكوني عابدة تقية متبتلة منقطعة في محرابك لله ، أما الاصطفاء الآخر فاصطفاء على نساء العالمين جميعاً ، بأن تكوني أماً لمولود بلا أب ، فمُتعلِّق الاصطفاء - إذن - مختلف .
وتنقسم الملائكة في مسألة الاصطفاء إلى ملائكة مُصْطفاة ، وملائكة مُصْطَفًى منها . وفي آية أخرى يقول تعالى : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً . . } [ فاطر : 1 ] يعني : كلهم لهم رسالة مع عوالم أخرى غيرنا .
أما في الآية التي معنا ، فالكلام عن الملائكة الذين لهم صلة بالإنسان أمثال جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، والحفظة الكاتبين والمكلفين بحفظ الإنسان ، فالله تعالى يصطفي هؤلاء ، أما الباقون منهم فالله مصطفيهم لعبادته فهم مُهيِّمون لا يدرون عن هذا الخلق شيئاً ، وهم الملائكة العالون الذين قال الله عنهم في الحديث عن إبليس : { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } [ ص : 75 ] يعني : الذين لم يشملهم الأمر بالسجود ؛ لأن لهم مهمة أخرى .
ثم يقول تعالى : { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [ الحج : 75 ] السمع يتعلق بالأصوات ، والبصر يتعلق بالأفعال ، وهما كما قلنا عُمْدة الحواسِّ كلها ، والحق سبحانه في قوله : { سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [ الحج : 75 ] يُبيّن لنا أن رسله سيُوَاجَهُون بأقوال تؤذيهم واستهزاء ، وسيُقَابلون بأفعال تعرقل مسيرة دعوتهم ، فليكُنْ هذا معلوماً حتى لا يفُتّ في عَضُدهم ، وأنا معهم سميع لما يُقال ، بَصير بما يفعل ، فهُمْ تحت سمعي وبصري وكلاءتي .
تفسير الشعراوي — صفحة 9940
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٤٠