لذلك يخاطبهم بقوله : { قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ . . } [ الحج : 72 ] يعني : مالي أراكم مغتاظين من آيات الله كارهين لها الآن ، والأمر ما يزال هيِّناً ؟ أمجرد سماع الآيات يفعل بكم هذا كلّه ؟ فما بالكم حينما تباشرون النار في الآخرة ، الغيظ الذي تظنونه شرّاً فتسطُون علينا بسببه أمر بسيط ، وهناك أشرّ منه ينتظركم { النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ . . } [ الحج : 72 ]
وما أشبه هذا بموقف الصِّدِّيق أبي بكر حينما أوقف صناديد قريش بالباب ، وقدّم عليهم المستضعفين من المؤمنين ، فغضبوا لذلك وورِمَتْ أنوفهم ، فقال لهم : أَوَرِمتْ أنوفكم أنْ قدمتهم عليكم الآن ، فكيف بكم حين يُقدمهم الله عليكم في دخول الجنة ؟
وكلمة { وَعَدَهَا . . } [ الحج : 72 ] الوعد دائماً يكون بالخير ، أما هنا فاستُعملَتْ على سبيل الاستهزاء بهم والتقليل من شأنهم ، كما قال في آية أخرى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الانشقاق : 24 ] فساعةَ أن يسمع البُشْرى يستشرف للخير ، فيفاجئه العذاب ، فيكون أنكَى له .
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه . . } [ الكهف : 29 ] لأن انقباض النفس ويأسها بعد بوادر الانبساط أشدّ من العذاب ذاته .
وقوله : { وَبِئْسَ المصير } [ الحج : 72 ] أي : ساءت نهايتكم ومرجعكم . .
تفسير الشعراوي — صفحة 9929
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٢٩