تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9921

مساهمون:

ص٩٩٢١
الأخرى لبُعْد المسافات وانعدام وسائل الاتصال والالتقاء التي نراها اليوم ، والتي جعلتْ العالم كله قرية واحدة ، ما يحدث في أقصى الشرق تراه وتسمع به في أقصى الغرب ، وفي نفس الوقت . لما عاش الناس هذه العزلة لا يدري أحد بأحد لدرجة أنهم كانوا منذ مائتي عام يكتشفون قارات جديدة . وقد نشأ عن هذه العزلة أنْ تعددت الداءات بتعدد الجماعات ، فكان الرسول أو النبي يأتي ليعالج الداءات في جماعة بعينها يُبعَث إلى قومه خاصة ، فهذا ليعالج مسألة الكيل والميزان ، وهذا ليعالج طغيان المال ، وهذا ليعالج انحراف الطباع وشذوذها ، وهذا ليعالج التعصب القبلي . أما رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، فجاءت في بداية التقاء الجماعات هنا وهناك ، فكانت رسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عامة للناس كافة ، وتجد أصول الرسالات عند موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أصولاً واحدة ، أمّا الفروع فتختلف باختلاف البيئات . لكن ، لما كان في علمه تعالى أن هذه العزلة ستنتهي ، وأن هذه البيئات ستجتمع وتلتقي على أمر واحد وستتحد فيها الداءات ؛ لذلك أرسل الرسول الخاتم لهم جميعاً على امتداد الزمان والمكان . وفي هذه الآية : { لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ . . } [ الحج : 67 ] أي : أن الحق سبحانه جعل لكل أمة من الأمم التي بعث فيها الرسل مناسك تناسب أقضية زمانهم ؛ لأنهم كانوا في عزلة بعضهم عن بعض ، كما جاء في قوله تعالى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً . . } [ المائدة : 48 ] فالشرائع تختلف في الفروع المناسبة للزمان وللمكان وللبيئة ،