الخالق الذي يعلم ملَكات النفس الإنسانية كلها ، وشرع لكل ملكة ما يناسبها ، وأحداث الحياة ستضطرهم إلى ما قنن الله لخلافته في الأرض .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ الله أَعْلَمُ . . } .
الجدل : مأخوذ من جَدْل الحبل بعضه على بعض لتقويته ، وإنْ كانت خيطاً رفيعاً نبرمه فنعطيه سُمْكاً وقوة ؛ لذلك الخيط حين نبرمه يقلّ في الطول ؛ لأن أجزاءه تتداخل فيكون أقوى ، فالجدْل من تمتين الشيء وتقويته ، وكذلك الجدال ؛ فهو محاولة تقوية الحجة أمام الخَصْم .
وفي آية أخرى : { وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ . . } [ النحل : 125 ] فالمعنى : إنْ جادلوك بعد التي هي أحسن فقُلْ { الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ الحج : 68 ] يعني : ردهم إلى الله واحتكم إليه ؛ لذلك جاء بعدها : { الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة . . } .
لاحظ أن الحق سبحانه لم يقُلْ : يحكم بيننا وبينكم كما يقتضي المعنى ؛ لأنكما طرفان تتجادلان . وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أتركهم فسوف يختلفون هم فيما بينهم ، ولن يظل الخلاف معك ؛ لأن الخلاف في شيء واحد ينشأ عن هوى النفس ، وهوى النفس ينشأ من الحرص على السلطة الزمنية ، يعني : أرحْ نفسك ، فربُّك سيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .
تفسير الشعراوي — صفحة 9923
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٢٣