فالروح الثانية التي تُحييك الحياة الحقيقية الخالدة هي منهج الله في كتابه الكريم ، إن اتبعته نِلْتَ هذه الحياة الباقية الخالدة وتمتعتَ فيها بما لا عَيْن رأت ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطر على قلب بشر ، وهي لا مقطوعة ولا ممنوعة .
ثم يقول سبحانه : { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ } [ الحج : 66 ] كفور : صيغة مبالغة من كافر ، والكفور الذي لم يعرف للمنعِم حَقّ النعمة ، مع أنه لو تبيَّنها لما انفكَّ أبداً عن شكر المنعم سبحانه .
والإنسان يمرُّ بمراحل مختلفة بين الحياة والموت ، كما جاء في قوله تعالى : { قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } [ غافر : 11 ] ، فمتى سيقولون هذا الكلام ؟
قالوا : هذا يوم القيامة ، وقد أحياهم الله من موت العدم ، فأحياهم في الدنيا ثم أماتهم ، ثم أحياهم في الآخرة ، فهناك موت قبل إيجاد ، وموت بعد إيجاد ، ثم يأتي البعث في القيامة . وقوله تعالى : { وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ . . } [ الحج : 66 ] قضية قالها الخالق - عَزَّ وَجَلَّ - ولم يدعها أحد لنفسه مع كثرة الكفار والملاحدة والأفاقين في كل زمان ومكان ، لم نسمع مَنِ ادَّعَى مسألة الخَلْق ، وهذه قضية يجب أن نقف عندها وأن نبحث : لماذا لم يظهر مَنْ يدَّعي ذلك ؟ وإذا لم يَدَّع الخَلْق أحدٌ ، ولم يدَّع الإحياء أحد ، فمَنْ - إذن - صاحب الخَلْق والإحياء والإماتة ؟
إذا كان الناس يهتمون ويؤرخون لأيِّ مخترع آلة مثلاً ، فيقولون : مخترع الكهرباء فلان وعاش في بلدة كذا ، وكان من أمره كذا وكذا ، وتعلم في كذا ، وحصل على كذا . . الخ فكيف بمَنْ خلقكم
تفسير الشعراوي — صفحة 9918
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩١٨