وقوله : { بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ الأحقاف : 24 ]
وإنْ جاءت بصيغة الجمع دلَّت على الخير ، كما في قوله تعالى : { وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ . . } [ الحجر : 22 ] .
وسبق أنْ تحدثنا عن مهمة الريح في تماسك الأشياء وقيامها بذاتها ، فالجبل الأشمّ الذي تراه ثابتاً راسخاً إنما ثبتَ بأثر الريح عليه ، وإحاطته به من كل جانب ، بحيث لو فُرِّغ الهواء من أحد جوانب الجبل لأنهار ، وهذه هي الفكرة التي قامت عليها القنبلة ، فالهواء هو الذي يقيم المباني والعمارات ويثبتها ؛ لأنه يحيطها من كل جانب ، فيُحدِث لها هذا التوازن ، فإنْ فُرِّغ من أحد الجوانب ينهار المبنى .
ثم يقول سبحانه : { وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ . . } [ الحج : 65 ] فالسماء مرفوعة فوقنا بلا عَمَد ، لا يمسكها فوقنا إلا الله بقدرته وقيوميته أنْ تقع على الأرض إلا بإذنه تعالى ، كما قال في آية أخرى :
{ إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ . . } [ فاطر : 41 ] .
{ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [ الحج : 65 ] فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة ، والفَهْم السطحي لهاتين الصفتين يرى أنهما واحد ، لكن هما صفتان مختلفتان ، فالرأفة تزيل الآلام ، والرحمة تزيد الإنعام ، والقاعدة أن درْء المفسدة مُقدَّم دائماً على جَلْب المصلحة ، فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعاً برحمته .
وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل : قلنا هَبْ أن واحداً يرميك بحجر ، وآخر يرمي لك تفاحة ، فأيُّهما يشغلك أولاً ؟ لا شكَّ ستُشغل
تفسير الشعراوي — صفحة 9915
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩١٥