لأن الخَلْق إيجاد من عدم ، فأنت حين تصنع مثلاً كوب الماء من الزجاج أوجدتَ ما لم يكن موجوداً ، وإن كنت قد استخدمت المواد المخلوقة لله تعالى ، وأعملتَ فيها عقلك حتى توصلْتَ إلى إنشاء شيء جديد لم يكُنْ موجوداً ، فأنت بهذا المعنى خالق حسن ، لكن خلق ربك أحسن ، فأنت تخلق من موجود ، وربك يخلق من عدم ، وما أوجدتَه أنت يظل على حالته ويجمد على خلْقتك له ، ولا يتكرر بالتناسل ، ولا ينمو ، وليست فيه حياة ، أما خَلْق ربك سبحانه فكما تعلم .
كذلك يقول سبحانه هنا : { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } [ الحج : 58 ] فأثبت لخَلْقه أيضاً صفة الرزق ، من حيث هم سَبَب فيه ، لأن الرزق : هو كل ما ينتفع به حتى الحرام يُعَدُّ رزقاً ؛ لذلك قال تعالى : { يا أيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . . } [ البقرة : 172 ] .
نقول : فالعبد سبب في الرزق ؛ لأن الله تعالى هو خالق الرزق أولاً ، ثم أعطاك إياه تنتفع به وتعمل فيه ، وتعطي منه للغير ، فالرزق منك مناولة عن الرازق الأول سبحانه ، فأنت بهذا المعنى رازق وإنْ كرهوا أنْ يُسمَّي الإنسان رازقاً ، رغم قوله تعالى : { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } [ الحج : 58 ] لماذا ؟ قالوا : حتى لا يفهم أن الرزق من الناس .
لذلك نسمع كثيراً من العمال البسطاء ، أو موظفاً صغيراً ، أو بواب عمارة مثلاً حين يفصله صاحب العمل ، يقول له : يا سيدي الأرزاق بيد الله . كيف وقد كنت تأخذ راتبك من يده ومن ماله ؟ قالوا : لأنه نظر إلى المناوِل الأول للرزق ، ولم ينظر إلى المناوِل الثاني .
تفسير الشعراوي — صفحة 9898
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٩٨