لأن مَنْ قُتِل فقد فاز بالشهادة ونال إحدى الحُسنْيين ، أما مَنْ مات فقد حُرِم هذا الشرف ؛ لذلك فقد وقع أجره على الله ، وما بالك بأجر مُؤدِّيه ربك عَزَّ وَجَلَّ ؟ وكما لو أن رجلاً مُتْعباً يسير ليس معه شيء ولا يجد حتى مَنْ يقرضه ، وفجأة سقطت رِجْله في حفرة فتكَّدر وقال : حتى هذه ؟ ! لكن سرعان ما وجد قدمه قد أثارتْ شيئاً في التراب له بريق ، فإذا هو ذهب كثير وقع عليه بنفسه .
ويُروْى أن فضالة حضرهم وهم يدفنون شهيداً ، وآخر مات غير شهيد ، فرأوْه ترك قبر الشهيد وذهب إلى قبر غير الشهيد ، فلما سألوه : كيف يترك قبر الشهيد إلى غير الشهيد ؟ قال : والله ما أبالي في أيِّ حفرة منهما بُعثْت ما دام قد وقع أجري على الله ، ثم تلا هذه الآية : { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله . . } [ النساء : 100 ] .
ثم يقول سبحانه : { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } [ الحج : 58 ] حين يصف الحق سبحانه ذاته بصفة ، ثم تأتي بصيغة الجمع ، فهذا يعني أن الله تعالى أدخل معه الخَلْق في هذه الصفة ، كما سبق أنْ تكلمنا في قوله تعالى : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] .
فقد أثبت للخَلْق صفة الخَلْق ، وأشركهم معه سبحانه في هذه الصفة ؛ لأنه سبحانه لا يبخس عباده شيئاً ، ولا يحرمهم ثمرة مجهودهم ، فكل مَنْ أوجد شيئاً فقد خلقه ، حتى في الكذب قال { وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً . . } [ العنكبوت : 17 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9897
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٩٧