تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9881

مساهمون:

ص٩٨٨١
ولسائل أن يقول : إذا كان الله تعالى ينسخ ما يُلقي الشيطان ، فلماذا كان الإلقاءُ بدايةً ؟ جعل الله الإلقاء فتنةً ليختبر الناس ، وليُميِّز مَنْ ينهض بأعباء الرسالة ، فهي مسؤولية لا يقوم بها إلا مَنْ ينفذ من الفتن ، وينجو من إغراءات الشيطان ، ويتخطى عقباته وعراقيله ؛ لذلك قال تعالى عنهم : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران : 110 ] . وما تبوأتُم هذه المنزلة إلا لأنكم أهلٌ لحمْل هذه الأمانة ، تمرُّ بكم الفتن فتهزأون بها ولا تزعزعكم ؛ لذلك قال تعالى : { لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [ الحج : 53 ] أي : نفاق ، فإنْ تعرَّض لفتنة انقلب على وجهه . يقول كما يقولون : سحر وكذب وأساطير الأولين . وكذلك فتنة { والقاسية قُلُوبُهُمْ } [ الحج : 53 ] وهم الذين فقدوا لين القلب ، فلم ينظروا إلى الجميل عليهم في الكون خَلْقاً وإيجاداً وإمداداً ، ولم يعترفوا بفضل الله عليهم ، ولم يستبشروا به ويأتوا إليه . ونحن نلحظ الولد الصغير يأنس بأمه وأبيه ، ويركن إليهما ؛ لأنه ذاق حنانهما ، وتربَّى في رعايتهما ، فإنْ ربَّته مثلاً المربية حتى في وجود أمه فإنه يميل إليها ، ويألف حضنها ، ولا يلتفت لأمه ، لماذا ؟ لأنه نظر إلى الجميل ، من أين أتاه ، ومَنْ صاحب الفضل عليه فرقَّ له قلبه ، بصرف النظر مَنْ هو صاحب الجميل . فهؤلاء طرأوا على كَوْن الله ، لا حَوْلَ لهم ولا قوة ، فاستقبلهم بكل ألوان الخير ، ومع ذلك كانت قلوبهم قاسيةً مُتحجِّرة لا تعترف بجميل .