ثم يُفسِّر سبب هذا الإحسان : { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم } [ الذاريات : 17 - 19 ] .
ومَنْ يلزمك بهذه الكاليف ؟ لك أنْ تصلي العشاء ثم تنام إلى الفجر ، كذلك لم يُلزمك بالاستغفار وقت السَّحَر ، ولم يلزمك بصدقة التطوع . إذن : هذه طاعات فوق ما فرض الله وصلَتْ بأصحابها إلى مقام الإحسان ، وأعلى مراتب الإيمان ، فليُشمِّر لها مَنْ أراد .
ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا . . } .
صَدْر الآية : { إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا . . } [ الحج : 38 ] يُشْعِرنا أن هناك معركة ، والمعركة التي يدافع الله فيها لا بُدَّ أنها بين حق أنزله ، وباطل يُواجهه ، وقد تقدَّم قبل ذلك أن قال تبارك وتعالى : { هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ . . } [ الحج : 19 ] .
وما دام هناك خصومة فلا بُدَّ أنْ تنشأ عنها معارك ، هذه المعارك قد تأخذ صورة الألفاظ والمجادلة ، وقد تأخذ صورة العنف والقوة والشراسة والالتحام المباشر بأدوات الحرب .
ومعركة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع معارضيه من كفار مكة لم تقف عند حَدِّ المعركة الكلامية فحَسْب ، فقد قالوا عنه - صلوات الله وسلامه عليه : ساحر ، وكاهن ، ومجنون ، وشاعر ، ومُفْتر . . إلخ ثم تطوَّر الأمر إلى إيذاء أصحابه وتعذيبهم ، فكانوا يأتون رسول الله مَشْدوخين
تفسير الشعراوي — صفحة 9830
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٣٠