تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9832

مساهمون:

ص٩٨٣٢
مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه ، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة ، ثم جعل القتال فيما بينهم ، وقبْل أنْ يأذنَ لهم في قتال أعدائهم لحكمة : هي أنْ يَبْلوا المؤمنين ويُمحِّصهم ليُخرِج من صفوفهم أهل الخَوَر والجُبْن ، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حَرْف ، ولا يبقى بعد ذلك إلا قويُّ الإيمان ثابتُ العقيدة ، الذي يحمل راية هذا الدين وينسَاح بها في بقاع الأرض ؛ لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أنْ تقوم الساعة ، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بُدَّ لها من رجال أقوياء يحملونها ، وإلا لو استطاع الأعداءُ القضاءَ عليها فلن تقومَ لدين الله قائمة . إذن : كان لا بُدَّ أن يُصفِّي الحقُ سبحانه أهلَ الإيمان كما يُصفِّي الصائغُ الذهبَ ، ويُخرِج خَبَثه حين يضعه في النار ، كذلك كانت الفِتَن والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم ، لكن بالقتال في صَفٍّ واحد . ثم يقول سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } [ الحج : 38 ] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفاً في المعركة ، والخوَّان : صيغة مبالغة من خائن ، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور : صيغة مبالغة من كافر . ومعنى الخيانة يقتضي أن هناك أمانةً خانها . نعم ، هناك الأمانة الأولى ، وهي أمانة التكليف التي قال الله فيها : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان . . } [ الأحزاب : 72 ] فلقد خانَ هذه الأمانة بعد أنْ رَضِي أنْ يكونَ أهْلاً لها .