من أن الحق - سبحانه وتعالى - أوحى إلى إبراهيم أن يصعد على جبل فاران ، ويأخذ ولده الوحيد ويذبحه ، فالوحيد إسماعيل لا إسحق ؛ لأن الله فدى إسماعيل ، ثم بشَّر إبراهيم بإسحق .
ومن حكمة الله - عَزَّ وَجَلَّ - أنْ جعل في كذب الكاذب مَنْفذاً للحق ، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة ؛ لذلك يقول رجال القضاء : ليست هناك جريمة كاملة أبداً ، لا بُدَّ أنْ يترك المجرم قرينة تدلُّ عليه مهما احتاط لجريمته ، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه ، أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون . . إلخ ، لذلك نقول : الجريمة لا تفيد ؛ لأن المجرم سيقع لا محالة في يد مَنْ يقتصُّ منه .
ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم ، فيظل القاضي يحاوره إلى أنْ يجد في كلامه ثغرةً أو تضارباً يصل منه إلى الحقيقة .
ذلك لأن للصدق وجهاً واحداً لا يمكن أنْ يتلجلج صاحبه أو يتردد ، أمّا الكذب فله أكثر من وجه ، والكاذب نفسه لو حاورتَهُ أكثر من مرة لوجدتَ تغييراً وتضارباً في كلامه ؛ لذلك العرب يقولون : إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً . يعني : تذكَّر ما قُلْته أولاً ، حتى لا تُغيِّره بعد ذلك .
ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قَوْلُ أحدهم للآخر : هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير ، وكان القمر ظهراً ! ! فقال : كيف ، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر ؟
وقد يلجأ القاضي إلى بعض الحِيَل ، ولا بُدَّ أنْ يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق ، كالقاضي الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة ، ثم أخذها لنفسه ودفنها في موضع كذا
تفسير الشعراوي — صفحة 9784
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٨٤