تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9767

مساهمون:

ص٩٧٦٧
مُحرَّم أنْ تفعل فيه خطأ ، أو تهينه ، أو تعتدي فيه . وكلمة ( الحَرَام ) وصف بها بعض المكان وبعض الزمان ، وهي خمسة أشياء : نقول : البيت الحرام وهو الكعبة ، والمسجد الحرام ، والبلد الحرام ، ثم المشعر الحرام . وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة ، هذه أماكن ، ثم الخامس وهو زمن : الشهر الحرام الذي قال الله فيه : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ . . } [ الحج : 25 ] وحُرْمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه ؛ لأنه رَبٌ رحيم بخَلْقه يريد أن يجعل لهم فرصة لِستْر كبريائهم ، والحدّ من غرورهم ، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تُذْكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب ، حتى أن كِلاَ الفريقين يريد أنْ يُفني الآخر ، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها ، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب . لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حُرْمة لتكون ستاراً لهذا الكبرياء الزائف ، ولهذه العزة البغيضة . وكل حَدَث يحتاج إلى زمان وإلى مكان ، فحرَّم الله القتال في الأشهر الحرم ، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام ، فأنقذ الضعيف من قبضة القوى دون أنْ يجرح كبرياءه ، وربما هَزّ رأسه قائلاً : لولا الشهر الحرام كنت فعلتُ بهم كذا وكذا . فهذه - إذن - رحمة من الله بعباده ، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويَحْقِن دماءهم . وما أشبه كبرياءَ العرب في هذه المسألة بكبرياء زوجيْن تخاصما على مَضَض ، ويريد كل منهم أنْ يأتي صاحبه ، لكن يمنعه كبرياءه أن يتنازل ، فجلس الرجل في غرفته ، وأغلق الباب على نفسه ، فنظرتْ الزوجة ، فإذا به يرفع يديه يدعو الله أنْ تُصالحه زوجته ،
تفسير الشعراوي — صفحة 9767 | محمد متولي الشعراوي