تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9768

مساهمون:

ص٩٧٦٨
فذهبتْ وتزيَّنَتْ له ، ثم دفعت الباب عليه وقالت - وكأن أحداً يُجبرها على الدخول - ( مُوديَّانِي فين يا أم هاشم ) وكذلك ، جعل في المكان محرماً ؛ لأن الزمن الحرام الذي حرم فيه قتال أربعة أشهر : ثلاثة سرد وواحد فرد ، الفرد هو رجب ، والسرد هي : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم . فحرَّم أيضاً القتال في هذه الأماكن ليعصم دماء الخَلْق أنْ تُراقَ بسبب تناحر القبائل بالغِلِّ والحِقْد والكبرياء والغرور . يقول تعالى في تحريم القتال في البيت الحرام : { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين } [ البقرة : 191 ] . فلعلَّهم حين تأتي شهور التحريم ، أو يأتي مكانه يستريحون من الحرب ، فيدركون لذة السلام وأهمية الصلح ، فيقضون على أسباب النزاع بينهم دون حرب ، فسُعَار الحرب يجُرُّ حرباً ، ولذة السلام وراحة الأمن والشعور بهدوء الحياة يَجُرُّ مَيْلاً للتصالح وفضّ مثل هذه المنازعات بالطرق السلمية . والمتأمل في هذه الأماكن التي حرَّمها الله يجدها على مراتب ، وكأنها دوائر مركزها بيت الله الحرام وهو الكعبة ، ثم المسجد الحرام حولها ، ثم البلد الحرام وهي مكة ، ثم المشعر الحرام الذي يأخذ جزءاً من الزمن فقط في أيام الحج . أما الكعبة فليست كما يظنُّ البعض أنها هذا البناء الذي نراه ، الكعبة هي المكان ، أما هذا البناء فهو المكين ، فلو نقضْتَ هذا البناء القائم الآن فمكان البناء هو البيت ، هذا مكانه إنْ نزلْتَ في أعماق الأرض أو صعدْتَ في طبقات السماء .