تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8966

مساهمون:

ص٨٩٦٦
اشترط موسى عليه السلام على نفسه إن اعترض على معلمه هذه المرة يكون الفِراقُ بينهما ، وكأن العبد الصالح لم يَأْتِ بشيء من عنده ، لقد قال موسى : { إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي } [ الكهف : 76 ] وها هو يسأله ، إذن : فليس إلا الفراق : { قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ . . } [ الكهف : 78 ] قوله : { هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ . . } [ الكهف : 78 ] تُعد دُستوراً من الحق سبحانه وتعالى ودليلاً على أن هذين المذهبين لا يلتقيان ، فيظل كل منهما له طريقه : المرتاض له طريقه ، وغير المرتاض له طريقه ، ولا ينبغي أن يعترض أحدهما على الآخر ، بل يلزم أدبه في حدود ما علَّمه الله . ثم يقول تعالى على لسان الخضر : { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } [ الكهف : 78 ] أي : لن أتركك وفي نفسك هذه التساؤلات ، حتى لا يكون في نفسك مني شيء ، سوف أخبرك بحقيقة هذه الأفعال التي اعترضْتَ عليها لتعلم أن الله لم يخدعْكَ ، بل أرسلك إلى مَنْ يُعلّمك شيئاً لم تكُنْ تعلمه . ثم أخذ العبد الصالح يكشف لموسى الحكمة من هذه الأفعال واحداً تِلْو الآخر ، كما لو عتبَ عليك صاحبك في أمر ما ، وأنت حريص على مودَّته فتقول له : أمهلني حتى أوضح لك ما حدث ، لقد فعلتُ كذا من أجل كذا ، لتريح قلبه وتُزيل ما التبس عليه من هذا الأمر . وقالوا : إن هذا من أدب الصُّحْبة ، فلا يجوز بعد المصاحبة أنْ نفترقَ على الخلاف ، ينبغي أن نفترق على وِفَاق ورضا ؛ لأن الافتراق على الخلاف يُنمِّي الفجوة ويدعو للقطيعة ، إذن : فقبل أنْ نفترق : المسألة كيت وكيت ، فتتضح الأمور وتصفو النفوس . ثم يقول الحق سبحانه :