تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8963

مساهمون:

ص٨٩٦٣
بل قال : { فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا . . } [ الكهف : 77 ] وفرْق بين الإطعام والضيافة ، أَبَوْا الإطعام يعني منعوهما الطعام ، لكن أَبَوْا أن يُضيّفوهما ، يعني كل ما يمكن أنْ يُقدَّم للضيف حتى مجرد الإيواء والاستقبال ، وهذا مُنْتَهى ما يمكن تصوُّره من لُؤمْ هؤلاء الناس . وتلحظ أيضاً تكرار كلمة { أَهْلَ } فلما قال : { أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ } [ الكهف : 77 ] فكان المقام للضمير فيقول : استطعموهم ، لكنه قال : { استطعمآ أَهْلَهَا . . } [ الكهف : 77 ] لأنهم حين دخلوا القرية : هل قابلوا كل أهلها ، أم قابلوا بعضهم الذين واجهوهم أثناء الدخول ؟ بالطبع قابلوا بعضهم ، أما الاستطعام فكان لأهل القرية جميعاً ، كأنهما مرّا على كل بيت في القرية وسألا أهلها جميعاً واحداً تلو الآخر دون جدوى ، كأنهم مجمعون على البُخْل ولُؤْم الطباع . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ . . } [ الكهف : 77 ] أي : لم يلبثا بين هؤلاء اللئام حتى وَجَدا جداراً يريد أنْ ينقضّ ، ونحن نعرف أن الإرادة لا تكون إلا للمفكر العاقل ، فإنْ جاءت لغير العاقل فهي بمعنى : قَرُب . أي : جداراً قارب أنْ ينهار ، لما نرى فيه من علامات كالتصدُّع والشُّروخ مثلاً . وهذا الفهم يتناسب مع أصحاب التفكير السطحي وضَيِّقي الأفق ، أما أصحاب الأفق الواسع الذين يعطون للعقل دوره في التفكير والنظر ويُدققون في المسائل فلا مانع لديهم أنْ يكون للجدار إرادة على أساس أن لكل شيء في الكون حياةً تناسبه ، ولله تعالى أن يخاطبه ويكون بينهما كلام .