كأن الحقَّ تبارك وتعالى يريد أن يُعلِّمنا أن الكلام النظري شيء ، والعمل الواقعي شيء آخر ، فقد تسمع من أحدهم القول الجميل الذي يعجبك ، فإذا ما جاء وقت العمل والتنفيذ لا تجد شيئاً ؛ لأن الكلام قد يُقَال في أول الأمر بعبارة الأريحية ، كمن يقول لك : أنا رَهْن أمرك ورقبتي لك ، فإذا ما أحوجك الواقع إليه كنت كالقابض على الماء لا تجد منه شيئاً .
ونلحظ هنا أن موسى عليه السلام لم يكتف بالاستفهام : { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا . . } [ الكهف : 71 ] بل تعدَّى إلى اتهامه بأنه أتى أمراً منكراً فظيعاً ؛ لأن كلام موسى النظري شيء ورؤيته لخرق السفينة وإتلافها دون مبرر شيء آخر ؛ لأن موسى استحضر بالحكم الشرعي إتلاف مال الغير ، فضلاً عن إغراق ركاب السفينة ، فرأى الأمر ضخماً والضرر كبيراً ، هذا لأن موسى يأخذ من كيس والخضر يأخذ من كيس آخر .
وهذا درس آخر من الخضر لموسى عليهما السلام يقول : إن كلامي لك كان صادقاً ، وقد حذرتُك أنك لن تصبرَ على ما ترى من تصرفاتي ، وها أنت تعترض عليَّ ، وقد اتفقنا وأخذنا العهد ألاَّ تسألني عن شيء حتى أُخبرك أنا به .
ثم يقول الحق سبحانه : { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ . . . } .
يعتذر موسى عليه السلام عما بدر منه لمعلمه ، ويطلب منه
تفسير الشعراوي — صفحة 8960
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٦٠