وقوله { فَأَعْرَضَ عَنْهَا . . } [ الكهف : 57 ] تركها { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ . . } [ الكهف : 57 ] نسي السيئات ، وكان من الواجب أن ينتبه إلى هذه الآيات فيؤمن بها ، لعل الله يتوب عليه بإيمانه ، فيُبدِّل سيئاته حسنات .
ثم يقول تعالى : { إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ . . } [ الكهف : 57 ]
أكنة : أغطية جمع كِنّ ، فجعل الله على قلوبهم أغطية ، فلا يدخلها الإيمان ، ولا يخرج منها الكفر ، وليس هذا اضطهاداً منه تعالى لعباده ، تعالى الله عن ذلك ، بل استجابة لما طلبوا وتلبية لما أحبُّوا ، فلما أحبُّوا الكفر وانشرحتْ به صدورهم زادهم منه ؛ لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد .
كما قال عنهم في آية أخرى : { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [ البقرة : 10 ]
وقال تعالى في هذا المعنى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } [ البقرة : 7 ]
ومعنى { أَن يَفْقَهُوهُ . . } [ الكهف : 57 ] أي : يفهموه ، يفهموا آيات الله ؛ لأنهم سبق أنْ ذُكِّرُوا بها فأعرضوا عنها ، فحرَمهم الله فقهها وفهمها .
وقوله تعالى : { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً . . } [ الكهف : 57 ] أي : صمم فلا يسمعون { وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً } [ الكهف : 57 ] وهذا أمر طبيعي ، بعد أن ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم ، وسد عليهم منافذ العلم والهداية ؛ لأن الهدى ناشئ من أن تسمع كلمة الحق ، فيستقبلها قلبك بالرضا ، فتنفعل لها جوارحك بالالتزام ،
تفسير الشعراوي — صفحة 8944
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٤٤