من ذلك ، فالمتخصص في أيِّ علم من العلوم يجد في كتاب الله أدقّ التفاصيل ؛ لأن الحق سبحانه بيَّن فيه كل شيء .
ثم يقول تعالى : { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } [ الكهف : 54 ] أي : كثير الخصومة والتنازع في الرأي ، والجدل : هو المحاورة ومحاولة كل طرف أن يثبت صِدْق مذهبه وكلامه ، والجدل إما أن يكون بالباطل لتثبيت حجة الأهواء وتراوغ لتبرر مذهبك ولو خطأً ، وهذا هو الجَدل المعيب القائم على الأهواء . وإما أن يكون الجدل بالحق وهو الجدل البنّاء الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة ، وهذا بعيد كل البعد عن التحيّز للهوى أو الأغراض .
ولما تحدَّث القرآن الكريم عن الجدل قال تعالى : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ . . } [ العنكبوت : 46 ]
وقال : { وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ . . } [ النحل : 125 ] « والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما مرَّ على عليٍّ وفاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ليوقظهما لصلاة الفجر ، وطرق عليهما الباب مرة بعد أخرى ، ويبدو أنهما كانا مستغرقيْن في نوم عميق ، فنادى عليهما صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ » ألا تصلون ؟ « فردَّ الإمام علي قائلاً : يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله ، إن شاء أطلقها وإن شاء أمسكها ، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال : { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } » [ الكهف : 54 ]
لأن الإنسان له أهواء متعددة وخواطر متباينة ، ويحاول أنْ يُدلّل على صحة أهوائه وخواطره بالحجة ، فيقارع الحق ويغالط ويراوغ .
تفسير الشعراوي — صفحة 8940
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٤٠