وقوله تعالى : { فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا . . } [ الكهف : 53 ] الظن هنا يُراد منه اليقين . أي : أيقنوا أنهم واقعون فيها ، كما جاء في قول الحق سبحانه : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ . . } [ البقرة : 46 ]
أي : يوقنون .
{ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً . . } [ الكهف : 53 ] أي : في حين أن بينهما مَوْبقاً ، وأيضاً لا يجدون مفرّاً يفرون منه ، أو ملجأ يلجؤون إليه ، أو مكاناً ينصرفون إليه بعيداً عن النار ، فالمَوْبِق موجود ، والمصْرِف مفقود .
ثم يقول تبارك وتعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ . . . } .
سبق أن تكلمنا عن تصريف الآيات ، وقلنا : إن التصريف معناه تحويل الشيء إلى أشياء متعددة ، كما يصرّف الله الرياح مثلاً ، فلا تأتي من ناحية واحدة ، بل تأتي مرة من هنا ، ومرة من هناك ، كذلك صَرّف الله الأمثال . أي : أتى بأحوال متعددة وصُور شتى منها .
والحق سبحانه يضرب الأمثال كأنه يقرع بها آذان الناس لأمر قد يكون غائباً عنهم ، فيمثله بأمر واضح لهم مُحَسٍّ ليتفهموه تفهّماً دقيقاً .
وما دام أن الحق سبحانه صرّف في هذا القرآن من كل مثَل ، فلا عُذْر لمن لم يفهم ، فالقرآن قد جاء على وجوه شتّى ليُعلم الناس على اختلاف أفهامهم ومواهبهم ؛ لذلك ترى الأمي يسمعه فيأخذ منه على قدر فَهْمه ، والنصف مثقف يسمعه فيأخذ منه على قدر ثقافته ، والعالم الكبير يأخذ منه على قدر علمه ويجد فيه بُغْيته ، بل وأكثر
تفسير الشعراوي — صفحة 8939
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٣٩