ولكن سرعان ما يذبلُ هذا النبات ويصير هشيماً مُتفتتاً تذهب به الريح .
وهذه صورة كما يقولون منتزعة من مُتعدّد . أي : أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً ، بل عِدّة أشياء ، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَل ، وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل ، نقول : هذا مِثْل هذا ، لذلك قال تعالى : { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال } [ النحل : 74 ] لأن لله تعالى المثل الأعلى .
وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة ، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً ؛ لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة ، وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به ؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا .
وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها ، وتتبدل بهم ، واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها .
ومعنى { فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض } [ الكهف : 45 ] أي : اختلط بسببه نبات الأرض ، وتداخلَ بعضُه في بعض ، وتشابكتْ أغصانه وفروعه ، وهذه صورة النبات في الأرض الخِصْبة ، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها تُخرِج النبات مفرداً ، عود هنا وعود هناك .
لكن ، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته ؟ لا ، بل سرعان ما جفَّ وتكسر وصار هشيماً تطيح به الريح وتذروه ، هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن ، كما قال تعالى : { حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً . . } [ يونس : 24 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8923
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٢٣