تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8918

مساهمون:

ص٨٩١٨
{ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السماء } [ الكهف : 40 ] هذه النعمة التي تعتز بها وتفخر بزهرتها وتتعالى بها على خَلْق الله يمكن أنْ يرسلَ الله عليها حُسْباناً . والحُسْبان : الشيء المحسوب المقدَّر بدقّة وبحساب ، كما جاء في قوله تعالى : { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] والخالق سبحانه وتعالى جعل الشمس والقمر لمعرفة الوقت : { لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } [ يونس : 5 ] ونحن لا نعرف من هذه عدد السنين والحساب إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطةً على نظام دقيق لا يختلّ ، مثل الساعة لا تستطيع أنْ تعرفَ بها الوقت وتضبطه إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة ، والشيء لا يكون حسباناً لغيره إلا إذا كان هو نفسه مُنْشأ على حُسْبان . وحَسب حُسْباناً مثل غفر غفراناً ، وقد أرسل الله على هذه الجنة التي اغترَّ بها صاحبها صاعقة محسوبة مُقدَّرة على قَدْر هذه الجنة لا تتعدَّاها إلى غيرها ، حتى لا يقول : إنها آية كونية عامة أصابتني كما أصابت غيري . . لا . إنها صاعقة مخصوصة محسوبة لهذه الجنة دون غيرها . ثم يقول تعالى : { فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً } [ الكهف : 40 ] أي : أن هذه الجنة العامرة بالزروع والثمار ، المليئة بالنخيل والأعناب بعد أن أصابتها الصاعقة أصبحتْ صَعيداً أي : جدباء يعلُوها التراب ، ومنه قوله تعالى في التيمُّم : { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } [ النساء : 43 ] ليس هذا وفقط ، بل { صَعِيداً زَلَقاً } [ الكهف : 40 ] أي : تراباً مُبلّلاً تنزلق عليه الأقدام ، فلا يصلح لشيء ، حتى المشي عليه .
تفسير الشعراوي — صفحة 8918 | محمد متولي الشعراوي