{ غَوْراً } أي : غائراً في الأرض ، فإنْ قُلْت : يمكن أنْ يكونَ الماء غائراً ، ونستطيع إخراجه بالآلات مثلاً ، لذلك يقطع أمله في أيِّ حيلة يفكر فيها : { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً } [ الكهف : 41 ] أي : لن تصل إليه بأيِّ وسيلة من وسائلك ، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ } [ الملك : 30 ]
لاحظ أن هذا الكلام من المؤمن لصاحبه الكافر مجرد رجاء يخاطبه به : { فعسى رَبِّي . . } [ الكهف : 40 ] رجاء لم يحدث بَعْد ، ولم يصل إلى إيقاعيات القدر .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا . . . } .
هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ولم يكذب توقعه { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] أحيط : كأنْ جعل حول الثمر سوراً يحيط به ، فلا يكون له منفذ ، كما قال في آية أخرى : { وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [ يونس : 22 ]
وتلاحظ أنه سبحانه قال : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] ولم يقُلْ مثلاً : أحيط بزرعه أو بنخله ؛ لأن الإحاطة قد تكون بالشيء ، ثم يثمر بعد ذلك ، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته ، وهو قريب الجنْي قريب التناول ، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشدَّ ، والثمر هو الغاية والمحصّلة النهائية للزرع .
تفسير الشعراوي — صفحة 8919
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩١٩