تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8909

مساهمون:

ص٨٩٠٩
هنا يردُّ عليه صاحبه المؤمن مُحَاوراً ومُجادلاً ليجُلِّيَ له وَجْه الصواب : { أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ . . } [ الكهف : 37 ] أي : كلامك السابق أنا أنا ، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار ، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خَلْقك { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ . . } [ الكهف : 37 ] وهي أصل التناسل { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } [ الكهف « 37 ] أي : كاملاً مُسْتوياً ( ملو هدومك ) . و { سَوَّاكَ . . } [ الكهف : 37 ] التسوية : هي إعداد الشيء إعداداً يناسب مهمته في الحياة ، وقلنا : إن العود الحديد السَّويّ مستقيم ، والخطاف في نهايته أعوج ، والاعوجاج في الخطاف هو عَيْن استقامته واستواء مهمته ؛ لأن مهمته أن نخطف به الشيء ، ولو كان الخطاف هذا مستقيماً لما أدَّى مهمته المرادة . والهمزة في { أَكَفَرْتَ . . } [ الكهف : 37 ] ليست للاستفهام ، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه ، وما بدر منه من كُفْر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خَلْقه . والتراب هو أَصْل الإنسان ، وهو أيضاً مرحلة من مراحل خَلْقه ؛ لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة { مِّن مَّآءٍ } [ السجدة : 8 ] ومرة { مِن تُرَابٍ } [ آل عمران : 59 ] ، [ الروم : 20 ] ومرة { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 26 ] ومرة { مِن صَلْصَالٍ كالفخار } [ الرحمن : 14 ] . لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خَلْق الإنسان ، والحقيقة أنها شيء واحد ، له مراحل متعددة انتقالية ، فإنْ أضفْتَ الماء للتراب صار طيناً ، فإذا ما خلطْتَ الطين بعضه ببعض