فالمسألة إذن جدل بين هذه العناصر ؛ لذلك يقولون : أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه ، فإنْ قلت : كيف وأنا ونفسي شيء واحد ؟ لو تأملتَ لوجدتَ أنك ساعة تُحدِّث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه ؛ لأن بداخلك شخصيتين : شخصية فطرية ، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية ، فإنْ مَالتْ النفس الشهوانية أو انحرفتْ قَوَّمتها النفس الفطرية وعَدلَت من سلوكها .
لذلك قلنا : إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عَمَّتْ المعصية في الناس ، ولم يَعُدْ هناك مَنْ ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولاً يرشدهم ويُذكِّرُهم ، إلا في أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؛ لأنه سبحانه حَمَّلهم رسالة نبيهم ، وجعل هدايتهم بأيديهم ، وأخرج منهم مَنْ يحملون راية الدعوة إلى الله ؛ لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاتم الأنبياء والرسل .
وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يَعُمْ ، فإنْ وُجِد من بين هذه الأمة العاصون ، ففيها أيضاً الطائعون الذين يحملون راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذه مسألة ضرورية ، وأساسٌ يقوم عليه المجتمع الإسلامي .
ثم يقول تعالى : { قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً } [ الكهف : 35 ]
فهل معنى هذا أنه ظالم لنفسه بالدخول ؟ لا ، لأنها جنتُه يدخلها كما يشاء ، إنما المراد بالظلم هنا ما دار في خاطره ، وما حَدَّث نفسه به حالَ دخوله ، فقد ظلم نفسه عندما خطر بباله الاستعلاء بالغِنَى ، والغرور بالنعمة ، فقال : ما أظنُّ أنْ تبيدَ هذه النعمة ، أو تزول هذه الجنة الوارفة أو تهلك ، لقد غَرَّهُ واقع ملموس أمام عينيه استبعد معه
تفسير الشعراوي — صفحة 8907
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٩٠٧