وفي أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بملازمة أهل الصُّفَّة وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما يُقوِّي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا دَيْدنهم وشاغلهم الشاغل عبادة الله والتقرُّب إليه .
لكن ، هل المطلوب أن يكون الناس جميعاً كأهل الصُّفَّة منقطعين للعبادة ؟ بالطبع لا ، فالحق سبحانه وتعالى جعلهم بين الناس قِلّة ، في كل بلد واحد أو اثنان ليكونوا أُسْوة تُذكِّر الناس وتكبح جماح تطلّعاتهم إلى الدنيا .
ومن العجيب أن ترى البعض يدَّعي حال هؤلاء ، ويُوهِم الناس أنه مجذوب ، وأنه وَليٌّ نَصْباً واحتيالاً ، والشيء لا يُدَّعَى إلا إذا كانت من ورائه فائدة ، كالذي يدَّعي الطب أو يدَّعي العلم لما رأى من مَيْزات الطبيب والعالم . فلما رأى البعض حال هؤلاء المجاذيب ، وكيف أنهم عزفوا عن الدنيا فجاءتْ إليهم تدقُّ أبوابهم ، وسعى إليهم أهلها بخيراتها ، فضلاً عَمَّا لهم من مكانة ومنزلة في النفس ومحبة في القلوب .
فلماذا إذنْ لا يدعون هذه الحال ؟ ولماذا لا ينعمون بكل هذه الخيرات دون أدنى مجهود ؟ وما أفسد على هؤلاء العباد حالَهم ، وما خاض الناس في سيرتهم إلا بسبب هذه الطبقة الدخيلة المدَّعية التي استمرأتْ حياة الكسل والهوان .
ثم يقول تعالى : { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا . . } [ الكهف : 28 ] لأنه لا يأمرك بالانصراف عن هؤلاء والالتفات إلى أهل الدنيا إلا مَنْ غفل عن ذكر الله ، أما مَن اطمأن قلبه إلى ذِكْرنا وذاق حلاوة
تفسير الشعراوي — صفحة 8876
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٧٦