ثم يقول الحق سبحانه لنبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ . . } .
أي بعد هذه الأسئلة التي سألك كفار مكة إياها ، وأخبرك الله بها فأجبتهم ، اعلم أن لك رباً رفيقاً بك ، لا يتخلّى عنك ولا يتركك لكيدهم ، فإنْ أرادوا أن يصنعوا لك مأزقاً أخرجك الله منه ، وإياك أنْ تظنَّ أن العقبات التي يقيمها خصومك ستُؤثّر في أمر دعوتك .
وإنْ أبطأتْ نُصْرة الله لك فاعلم أن الله يريد أنْ يُمحِّص جنود الحق الذين يحملون الرسالة إلى أن تقوم الساعة ، فلا يبقى في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الناضجون ، فالأحداث والشدائد التي تمرُّ بطريق الدعوة إنما لتغربل أهل الإيمان حتى لا يصمد فيها إلا مَنْ هو مأمون على حَمْل هذه العقيدة .
وقوله : { لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ . . } [ الكهف : 27 ] لأن كلمات الله لا يستطيع أحد أنْ يُبدِّلها إلا أنْ يكون معه سبحانه إله آخر ، فما دام هو سبحانه إلهاً واحداً لا شريك له ، فاعلم أن قوله الحق الذي لا يُبدّل ولا يُغيّر : { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } [ الكهف : 27 ] أي : ملجأ تذهب إليه ؛ لأن حَسْبك الله وهو نِعْم الوكيل ، كما قال تعالى : { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ العنكبوت : 51 ]
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى :
تفسير الشعراوي — صفحة 8873
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٧٣