فالقصَصُ القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث ، ويُصوّر لك كل اللقطات ، وكلمة قصة أو قَصَص تدلُّ على دقة التتبع ؛ لأنها من قصَّ الأثر أي : تتبَّعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصّاصي الأثر ، وهم الذين يتتبعون الواقع .
و { نبَأَهُم } النبأ : هو الخبر العظيم .
ثم يقول تبارك وتعالى : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى . . } [ الكهف : 13 ]
هذا هو تفصيل القصة بعد أنْ لخَّصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة ، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله : لقد ذكر ناسٌ هذه القصة من قبل ، لكنها قُصَّتْ بغير الحق ، وغُيّر فيها ، لكن قَصّنا لها هو القَصَص الحق الذي لا كذبَ فيه .
فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله ، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها ، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم ، وزادهم إيماناً ، كما قال في آية أخرى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقْوَاهُمْ } [ محمد : 17 ]
وما أشبه هذه المسألة بالمعلِّم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه ، ويراه مُجيباً حريصاً على العلم فيُولِيه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات .
ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب ، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها ، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان ، فالفتاء في أهل الكهف : فتاء إيمان وفتاء عقيدة .
تفسير الشعراوي — صفحة 8852
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٥٢