تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8849

مساهمون:

ص٨٨٤٩
لذلك ، فالشاعر عندما تكلم عن المعترضين على القدر قال : أَيا هَازِئاً مِنْ صُنُوفِ القَدَرِ . . . بنفْسِكَ تُعنف لاَ بالقَدَر وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا . . . ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضرَبْتَ الحَجَر ؟ فمعنى : { فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ . . } [ الكهف : 11 ] أي : غطيناها بغطاء محكم يحجبهم عن العالم الخارجي ، والضرب على آذانهم هو الرحمة التي دعوا الله بها وطلبوها ؛ لأن الإنسان الذي يحمل الفأس مثلاً ويعمل بها إنْ تعب وأجهده العمل يقف بعض الوقت ليستريح ، فإنْ تعب من الوقوف قعد ، فإنْ تعب من القعود استلقى واضطجع ، فإنْ لم يسترح فلا يبقى إلا أن ينام ، ففي النوم تهدأ الأعصاب ، ويستريح الإنسان ، حتى مع الآلام في أعنف الأمراض إذا نام المريض لا يشعر بشيء من الألم ؛ لذلك اختار لهم ربهم هذا الوضع ليريحهم به طوال فترة مُكْثهم في الكهف . فالحق سبحانه إذن هو الضارب ، والمضروب هو الآذان ، والضرب على الآذان هنا للرحمة لا للعذاب ؛ لأن الله تعالى أراد لهم أقصى درجات الراحة والنوم الهادئ الذي لا يُعكّر صَفْوه شيء ، والنوم هو الراحة التامة التي تطغى على الآلام العضوية في الذات الإنسانية . وقد أختار الحق سبحانه الضرب على آذانهم ؛ لأن حاسة السمع هي أول الحواس عملاً في الإنسان ، وهي أول آلة إدراك تُؤدّي مهمتها في الطفل ، كما قال الحق سبحانه وتعالى : { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل : 78 ]