تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8800

مساهمون:

ص٨٨٠٠
لا يتغير إلى يوم القيامة ، ولن يُنسَخ منه حرف واحد كما حدث في الكتب السابقة عليه . فإن نظرتَ إلى العقائد وجدتَ الكلام فيها قاطعاً لا هوادةَ فيه ، يأتي هكذا قَوْلاً واحداً ، فالله واحد أحد لا شريك له ، له صفات الكمال المطلق ، وكذلك الحديث عن الملائكة والبَعْث والحساب . لكن تجد الأمر يختلف في الحديث عن العادات التي أَلِفها الناس في حركة الحياة ، فهذه أمور تحتاج إلى تلطُّف وتدرُّج ، ولا يناسبها القصْر والقَطْع . ألم تَرَ إلى المشرّع سبحانه حينما أراد أنْ يُحرِّم الخمر ، كيف تدرّج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتثّ هذه العادة التي تحكّمتْ في نفوس الناس وتملَّكتهم ، أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة إذا نزل القرآن جملة واحدة ؟ انظر كيف لفتَ أنظارَ القوم بلُطْف إلى أن في الخمر شيئاً ، فقال تعالى : { وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً . . } [ النحل : 67 ] ولما سمع بعض الصحابة هذه الآية قال : والله لكأن الله يُبيِّت للخمر شيئاً ، لقد فهم بملكته العربية أن الله تعالى طالما وصف الرزق بأنه حسن ، وسكت عن السَّكَر فلم يَصِفْه بالحُسْن ، فإن وراء هذا الكلام أمراً في الخمر ؛ لأنه يتلف نعمة الله ويُفسِدها على أصحابها . ثم يُحَوِّل هذه المسألة إلى عِظَة وإرشاد ، فيقول : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا . . } [ البقرة : 219 ]