( لَنْ ) تفيد تأبيد نَفْي الفعل في المستقبل ، تقول : أنا لم أصنع هذا ، ولن أصنعه . أي : في المستقبل .
ومعلوم أن الإنسان ابن أغيار ، ولا يحكمه حال واحد بل هو مُتقلِّب بين أحوال شتى طوال حياته ، والله تعالى وحده هو الذي لا يتغيّر ، وما دام الإنسان ابنَ أغيار ويطرأ عليه حال بعد حال ، فليس له أنْ يحكمَ على شيء حُكْماً قاطعاً في مستقبل هو لا يملكه ، فالذي يملك الحكم القاطع هو الحق سبحانه الذي لا تتناوله الأغيار .
لذلك فالإنسان مثلاً إذا صعد حتى القمة نخاف عليه الهبوط ؛ لأنه من أهل الأغيار ، ولا يدوم له حال ، إذن : فماذا بعد القمة ؟
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله :
إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقْصُهُ . . . تَرقَّبْ زَوَالاً إذَا قِيل تَمّ
والعجيب أن الناس يتطلعون في نعمة الله إلى التمام ، فيقول أحدهم : يا حبَّذا ، لو حدث كذا لَتَمتْ هذه النعمة ، وهم لا يدرون أن هذا النقص في النعمة سبب بقائها ، فلو تَمَّتْ لك النعمة وأنت من أهل الأغيار ، فماذا تنتظر إلا زوالها ؟
فَلْيَرْضَ كلٌّ صاحب نعمة بما فيها من نقص ، فلعل هذا النقص يردُّ عنه عَيْن حاسد ، أو حقد حاقد .
فبعض الناس يرزقه الله بالأولاد ويُعينه على تربيتهم ، ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلك ويألم أشد الألم ، ويقول : لو أن هذا الولد . . وهو لا يدرك حكمة الله من وراء هذا النقص ، وأنه حارسٌ للنعمة في الآخرين ، وأنه التميمة التي تحميه وتردُّ عنه ما يكره .
تفسير الشعراوي — صفحة 8739
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٣٩