تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8720

مساهمون:

ص٨٧٢٠
وقد تُطلَق الروح على الوحي ذاته ، كما في قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وتأتي بمعنى التثبيت والقوة ، كما في قوله تعالى : { أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة : 22 ] وأُطلِقَتْ الروح على عيسى ابن مريم عليه السلام في قوله تعالى : { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } [ النساء : 171 ] إذن : لهذه الكلمة إطلاقات مُتعدِّدة ، فما العلاقة بينها ؟ قالوا : الروح التي بها حركة الحياة إذا وُجِدَتْ في الإنسان تعطي مادية الحياة ، ومادية الحياة شيء ، وقيَمُ الحياة شيء آخر ، فإذا ما جاءك شيء يعدل لك قيم الحياة فهل تُسمِّيه روحاً ؟ لا ، بل هو روح الروح ؛ لأن الروح الأُولى قصاراها الدنيا ، لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة في الآخرة ، فأيُّهما حياته أطول ؟ لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا : إياك أنْ تظنَّ أن الحياة هي حياتك أنت وكونك تُحِسُّ وتتحرك وتعيش طالما فيك روح ، لا بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أَبْقى وأَدْوم : { وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 64 ] لأن الروح التي تعيش بها في الدنيا عُرْضة لأنْ تُؤخَذ منك ، وتُسلَب في أيّ مرحلة من مراحل حياتك منذ وجودك جنيناً في بطن أمك ، إلى أنْ تصير شيخاً طاعناً في السنِّ . . أما روح الآخرة ، وهي روح القيم وروح المنهج ، فهي الروح الأَقْوى والأَبْقى ؛ لأنها لا يعتريها الموت .