تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8661

مساهمون:

ص٨٦٦١
وسبق أنْ قُلْنا مثلاً : إنك تفضل الحديد إنْ كان مستقيماً ، أما إنْ أردتَ خُطَّافاً فالاعوجاج خير من الاستقامة ، أو : أن اعوجاجه هو عين الاستقامة فيه ، فكل شيء في الوجود مخلوق لغاية ولمهمة ولا يكون جميلاً ولا يكون خَيْراً إلا إذا أدى مهمته في الحياة ، فمن أين جاء إبليس بخيرية النار على الطين ؟ والنار الأصل فيها الخشب الذي توقد به ، والخشب من الطين ، إذن : فالطين قبل النار وأفضل منه ، فقياس إبليس إذن قياس خاطئ . ومعنى : { خَلَقْتَ طِيناً } [ الإسراء : 61 ] يعني : خلقته حال كونه من الطين ، أو خلقتَه من طين ، والخَلْق من الطين مرحلة من مراحل الخَلْق ؛ لأن الخَلْق المباشر له مراحل سبقته . فقوله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي . . } [ الحجر : 29 ] سبقتْه مراحل متعددة ، قال عنها الخالق سبحانه مرة : من الماء . ومرة : من التراب . ومرة : من الطين . والماء إذا خُلِط بالتراب صار طيناً ، وبمرور الوقت يسودُّ هذا الطين ، وتتغير رائحته ، فيتحول إلى حمأ مسنون . وما أشبهَ الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب ، حيث يخلطون الماء بالتراب بالقشِّ ، ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه بعضاً ، وتتغير رائحته ويعطَن ، ثم يصبُّونه في قوالب . فإذا ما تُرِك الطين حتى يجفّ ، ويتحول إلى الصلابة يصير صَلْصَالاً كالفخَّار ، يعني يُحدث رنّة إذا طرقت عليه . وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ الحجر : 29 ] إذن : لا وَجْه للاعتراض على القرآن في قوله عن خلق الإنسان
تفسير الشعراوي — صفحة 8661 | محمد متولي الشعراوي